|
الصوفيــة والتصــوف
في
ضوء
الكتاب والسنـة
" يتضمن آراء
العلماء المتقدمين والمعاصرين
عن
التصوف ونشأته
ورجاله ومعتقداته "
تأليف
الشيخ السيد
يوسف السيد هاشم الرفاعي
(الكويت )
الطبعة الأولى
9141 هـ ـ 1999 م
المحتويات:
مقدة في نشأة التصوف وتعريف الصوفية
لمحة عامة على
التصوف
نشأة التصوف
التصوف
تعريفاً واشتقاقا
مـن هـو
الصوفـي ؟
القرآن والسنـة
(مصـدر التصـوف الإسلامـي)
رأي الصوفية في الاتحاد والحلول
رأي
الأئمة الأربعة في التصوف والصوفية
المزيد من شهادات الأئمة
وأكابر العلماء
رأي علماء الإسلام المعاصرين وفتاواهم
في التصوف والصوفية
رد
دار الإفتاء المصرية
المفتي العام للجمهورية العربية السورية
القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية
(مديرية الافتاء)
مفتي
الجمهورية اللبنانية
الصوفية وحركة الحياة الشاملة
دور الصوفية في الحروب الصليبية
وفي
حروب التتار وفي العصر الحديث أيضاً
الخاتمة
الرجوع
الى فهرس المحتوياتÝ
نشــأة التصــوف
وتعريــف الصـوفية
ليس التصوف لبس الصوف ترقعه
ولا بكاءك إن غنى المغنونا
إن التصوف أن تصفو بلا كدر
وتحفظ الأخلاق والدينا
*****
اشتقاق
أسـم الصوفـي
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا
فيه وظنوه مشتقاً من الصوف
ولست أنحل هذا الاسم غير فتى
صافي فصوفي حتى سمي الصوفي
*****
وقال ( المؤلف ) غفر الله تعالى له :-
ليس التصوف ثوباً أنت
لابسه
تزهو به بين أصناف الدواوين
بل التصوف إيمان ومعرفة
وخدمة لفقير أو لمسكين
وهو التهجد في الليل البهيم إذا
نام الأنام ليوم الحشر
والدين
وهو الجهاد جهاد النفس عن سفه
وشهوة وألاعيب الشياطين
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمده ونصلي ونسلم على رسوله الكريم
وبعد:
فلقب ( الصوفية ) إذا أطلق اليوم فإنما يراد به جمهور الناس من
المسلمين الذين يقلدون أحد أئمة المذاهب الأربعة ( الشافعي ومالك
وأبن حنبل وأبو حنيفة ) رضوان الله تعالى عليهم أجمعين في الفروع ،
وعقيدتهم عقيدة السلف الصالح ومنهم من يعتنق مذهب الأمام أبي الحسن
الشعري ، وهي عقيدة عامة أهل السنة والجماعة في العالم الإسلامي
الفسيح ، والتي تدرس في ( الأزهر الشريف ) وغيره من المعاهد
الدينية في شتى أصقاع العالم الإسلامي ما عدا المملكة العربية
السعودية ومعاهدها الرسمية الواقعة تحت إشراف المشايخ المقلدين
للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباع دعوته المسماة " بالدعوة السلفية
" .
كما يطلق هذا اللقب (
الصوفية ) اليوم على من يحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف
وبالإسراء والمعراج وبهما تحتفل الدول الإسلامية رسمياً في ( عطلة
رسمية ) كما أن هؤلاءهم المستمرون على ما كان عليه سلفهم الصالح في
العالم الإسلامي من زيارة ( القبر النبوي الشريف ) في المدينة
المنورة قبل أو بعد أداء فريضة الحج أو العمرة الشريفة ، وختم
القرآن في اليوم الثالث على موتاهم واستعمال السبحة في ذكر الله
تعالى وتلقين الميت وزيارة المقابر في الأعياد والجمع للاعتبار
وإهداء ثواب القرآن الكريم لأقاربهم وأرحامهم من الموتى ومن جاورهم
من المسلمين مما عليه العمل في غالب بلاد المسلمين .. هكذا يتبين
أن من يُنسبون إلى (الصوفية) ما هم إلا السواد الأعظم والأكثرية
الصامتة من المسلمين المتمسكين بالعادات والأعراف الدينية التى
ورثوها عن أجدادهم وأسلافهم مما لا يتعارض مع ما أجمع عليه علماء
الأمة وفقهاؤها من كتاب الله تعالى وسنة المصطفى
r
وآله , وقد قال النبي
r
وآله ( عليكم بالسواد الأعظم ) رواه صاحب ( مشكاة المصابيح ) . هذا
وقد استعنت الله تعالى في تأليف هذا الكتاب عن التصوف والصوفية لما
رأيت التصوف يتعرض لهجمة شرسة ظالمة وخاصة هذه الأيام ، وذلك
توضيحاً للحق وذبا عن أعراض أولياء الله الصالحين ودرءاً لبلادنا
عن غضب الله تعالى الذي يقول في الحديث القدسي الصحيح : ((من عادى
ولياً فقد آذنته بالحرب)) رواه البخاري وغيره .
والله سبحانه وتعالى
أسأل السداد والتوفيق في جهدي هذا وأن يرينا جميعاً الحق حقاً
ويرزقنا اتباعه ، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه .
وصلى الله تبارك
وتعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين
.
وكتبه راجي عفو مولاه الكريم
يـوسـف
السيــد هاشــم االرفاعي
الحسيني
الرجوع الى فهرس
المحتوياتÝ
لمـحة عامــة على التصـوف :
إن من يلقي نظرة عابرة خلال القرون الغابرة التي مضت ويرى ما خلفه
السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وحشرنا في زمرتهم من تأليف في كل
فن من فنون العلم ، وفي كل جهة من جهات الفن والحضارة التي أشعت
النور على العالم بعد أن كان يربض تحت تأثير الجهل والفوضى ليعترف
بأن للإسلام الفضل الأول في مبعث هذه الحضارة وتثبيت دعائمها ، وأن
الصدر الأول من الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين حملوا العبء
الأكبر في نشر هذه الشريعة السمحة وبث أسرارها في هذا الكون
وتحويله من طبيعة جرداء إلى نور أبلج يضئ لكل سالك في هذا الطريق .
وكان للصوفية الحظ الأوفر في بعث هذا العمل المشرف فكانت المدرسة
النبوية التي أخرجت أمثال : أبى بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله
عنهم ، ثم كانت مدرسة الصحابة التي أنجبت أمثال : سعيد بن المسيب
والحسن البصري وطاوس اليماني وإبراهيم التيمي وسادة غيرهم لا يحصون
فضلاً وعلماً وعملاً ، وهم الذين كان لهم الفضل الأكبر في تثبيت
دعائم هذه الشريعة وبهم كان تأثر الأئمة الكبار أمثال : أبي حنيفة
ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم رضي الله عنهم فأبو حنيفة كان تأثره
الأكبر بشيخه الزاهد المشهور عطاء بن أبي رباح وأمثاله كان يقول :
مالقيت أفضل من عطاء .قال الشعراني في الأجوبة المرضية
عن شيخه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري أنه قال
: يكفينا في شرف طريق القوم قول موسى للخضر عليهما الصلاة والسلام
:
]
هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا
[
فإن موسى طلب طريق الإرشاد من الخضر مع سعة علم موسى ومع كونه
نبياً مرسلاً قال ذلك وكذلك يكفينا في شرفهم أن الإمام أحمد بن
حنبل كان إذا توقف في مسألة يسأل عنها الشيخ أبا حمزة البغدادي
وقوله : ما تقول في هذه المسألة يا صوفي ؟ فإذا حل أبو حمزة إشكال
تلك المسألة تعجب أحمد من ذلك . وكان رضي الله عنه يقول لولده عبد
الله : يا ولدي عليك بالحديث وإياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا
أنفسهم صوفية فإنهم ربما كان أحدهم جاهلاً بأحكام دينه . فلما صحب
أبا حمزة البغدادي وعرف أحوال القوم كان يقول لولده : (( يا ولدي
عليك بمجالسة هؤلاء القوم فإنهم ذادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة
والخشية والزهد وعلو الهمة )) وبلغنا أن الإمام أبا عمرو الأوزاعي
طلب الصحبة لإبراهيم بن أدهم فلم يجبه إلى ذلك وقال له : يا عبد
الرحمن لا يطير الطير إلا مع شكله فرجع الأوزاعي عن طلب الصحبة
لعلمه بعلو مراقي الصوفية وهذا من الأوزاعي أعظم دليل على شرف
الطريق وأهلها . وبلغنا أن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه كان
يجالس الصوفية كثيراً ويقول : يحتاج الفقيه إلى معرفة اصطلاح
الصوفية ليفيدوه من العلم مالم يكن عنده . وقيل له مرة : ما الذي
استفدته من مجالسة الصوفية ؟ فقال : استفدت منهم شيئين قولهم :
الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك وقولهم : إن لم تشغل نفسك بالخير
شغلتك بالشر وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا يقول : يكفينا دليلاً
على شرف الطريق إذعان الأئمة لأهلها في كل زمان وسؤالهم الدعاء
منهم في الشدائد دون العكس انتهى . فهذا شيء قليل من شرف الصوفية
وفضلهم . أما أوصافهم فهذه نبذة يسيرة على لسان أحد أئمتهم : قال
الخطيب البغدادي في تاريخ بغدادبسندهعن
محمد بن شاذان الرازي قال :" سمعت يوسف بن الحسين يقول حضرت مع ذي
النون مجلس المتوكل ، وكان المتوكل مولعاً به يفضله على العباد
والزهاد " ، فقا له المتوكل :" يا أبا الفيض صف لنا أولياءالله " ؟
فقال ذو النون :"يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم ألبسهم الله النور
الساطع من محبته ، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته ، ووضع على
مفارقهم ذخائر الغيوب ، فهي معلقة بمواصلة المحبوب فقلوبهم إليه
إليه سائرة وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة ، ثم أجلسهم بعد أن أحسن
إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء ، وعرفهم منابت الأدواء ،
وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى وضمن لهم الإجابة عند الدعاء، وقال
يا أوليائي إن أتاكم عليل من فرقيفداووه
، أو مريض من إرادتي فعالجوه ، أو مجروح بتركي إياه فلاطفوه ، أو
فار مني فرغبوه ، أو آبق مني فادعوه ، أو خائف مني فأمنوه أو راغب
في مواصلتي فمكنوه أو قاصد نحوي فأدوه ، أو جبان في متاجرتي فجرئوه
، أو آيس من فضلي فعدوه ، أو راج لإحساني فبشروه ،أو مستشرف نحوي
فارشدوه ، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه ، أو ناس لإحساني فذكروه ،
وإن أستغاث بكم ملهوف فأعينوه ، ومن وصلكم في فواصلوه ، فإن غاب
عنكم فافتقدوه ، وإن ألزمكم جناية فاحتملوه ، وأنقصر في واجب حق
فأتركوه ، وان أخطأ خطيئة فأنصحوه ، فإن مرض فعودوه ، وإن وهبت
إليكم هبة فشاطروه وإن رزقتكم فآثروه ، يا أوليائي لكم عاتبت ،
ولكم خاطبت ، وإياكم رغبت ، ومنكم ألوفاً طلبت ، لأنكم بالآثرة
آثرت وانتخبت ن وإياكم استخدمت واصطنعت واختصصت ، لا أريد استخدام
الجبارين ، ولا مطاوعة الشرهين ، جزائي لكم أفضل الجزاء ، وعطائي
لكم أوفر العطاء ، وبذلي لكم أغلى البذل ، وفضلي عليكم أكبر الفضل
ومعاملتي لكم أوفى معاملة ، ومطالبتي لكم أشد المطالب . أنا مفتش
القلوب . انا علام الغيوب . أنا ملاحظ اللحظ ، أنا مراصد الهم ،
أنا مشرف على الخواطر ، أنا العالم بأطراف الجفون ، لا يفزعكم صوت
جبار دوني ولا مسلط سواي فمن أرادكم قسمته ، ومن آذاكم آذيته ، ومن
عاداكم عاديته ومن والاكم واليته ، ومن أحسن إليكم أرضيته ، أنتم
أوليائي وأنتم أحبائي . أنتم لي وأنا لكم )) . ويعقب الشيخ الأكبر
رضي الله عنه في ( روح القدس ) بعد أن أورد بعض هذا الكلام النفيس
بقوله : هذه أحوال العارفين يا ولي ، وهكذا تكون عمارة القلوب ،
وأما أهل زمانك فوالله لو أطلعت عليهم لرأيت إن نظرت إلى نفوسهم
رأيت نفوساً سامدة ، وإن نظرت إلى قلوبهم رأيت قلوبً لاهية من
العمارة العلوية القدسية خالية ,على عروشها خاوية ، آجاماً لأسود
ضارية ، ومرابض لذئاب عاوية ، نسأل الله تعالى عند رؤيتهم العافية
. أين هم يا ولي من قوم وصفهم أبو الفيض حيث قال : ان لله لصفوة ،
وان لله لخيرة . قيل يا أبا الفيض ما علامتهم قال : إذا خلع العبد
الراحة ، وأعطي المجهود في الطاعة ، وأحب سقوط المنزلة ثم قال :
منع القرآن بوعـده ووعيـده مقل العيون بليلها أن يهجعوا
فهموا عن الملك الكريم كلامه فهما تذل له الرقاب وتخضع
فقال له لعض من كان في مجلسه ؟ من هؤلاء القوم يا أبا الفيض رحمك
الله ؟ قال : ويحك هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا ، والتراب
لجنوبهم مهادا ، هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم فشغلهم عن
الأزواج ، وحركهم بالإدلاج فوضعوه على أفندتهم فأسرجت ، وضموه الي
صدورهم فانشرحت ، وتصدعت هممهم به فكدحت فجعلوه لظلمتهم سراجا ،
ولسبيلهم منهاجا ، ولحجتهم افلاجا ، يفرح الناس وهم يحزنون وينام
الناس ويسهرون ويفطر الناس ويصومون ، ويأمن الناس ويخافون . فهم
خائفون حذرون وجلون مشفقون ، مشمرون يبادرون من الفوت ويستعدون
للموت الي آخر القصة رضي الله عنهم ورزقنا حبهم واتباعهم . فهذه هي
بعض أوصاف القوم رضي الله عنهم .
قلت : " وهل هذه الأوصاف إلا كما جاء وصفهم فى كتاب الله العزيز :
]
وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ
لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا
[
سورة الفرقان / 63 ، 64 .
الرجوع الى فهرس
المحتوياتÝ
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلي الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
( نشأه التصوف )
إن اسم التصوف قد استحدث في القرآن الثاني ، ومسماه
ومعناه هو الذي كان عليه النبي صلي الله عليه وسلم وآله وأصحابه في
القرن الأول ، فكانت بواطن أصحاب النبي
r
وآله على المعارف الذوقية الشهودية سواء منهم
المتسبب للأرزاق أو المتجرد للعبادة من أهل الصفة ، فأقر النبي صلي
الله عليه وسلم وآله أهل الصفة على تجريدهم لما رأي منهم القوة
عليه وانتفاعهم به ، وأقر المتسببين علي أسبابهم لما رأي منهم
التشوف للأسباب وانتفاعهم بها ( ومراد الله من الجميع ما هم عليه .
وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان ) . وكلاهما على الجادة وعلى
التوحيد الخالص والدين الخالص والنية الخالصة لله في تجريدهم أو
أسبابهم ، وهذا هو العلم الرباني والكمال العقلي للنبي
r
وآله حيث كان يخاطب الناس على قدر على عقولهم
ويوجههم للعمل الصالح المصلح لهم لكمالهم أو ترقيتهم ومزيد صفائهم
.
والتصوف الإسلامي هو الدين الخالص والنية
الخالصة لله التي قامت على مبدأ تحقيق العبودية وتعظيم الربوبية
وتحقيق عمارة البواطن بالمعارف والأسرار والرضا والتوكل والإخلاص
وعمارة الظواهر بالعبادة والورع والتقوى ومتابعة النبي
r
وآله في أقواله وأفعاله . وهذا ما كان عليه النبي
r
وآله وأصحابه من التحقق بالدين ظاهراً وباطناً ،
ورسوخاً في مراتب الدين الثلاث ( الإسلام والإيمان والإحسان )
الواردة في الحديث الصحيح الذي يرويه عمر بن الخطابوليس
المراد من المسلم الموحد أن يعبد الله على حرف ، والحرف على
التفسير الأول هو العلة وعلى التفسير الثاني الذي نحن بصدده هو
الطرف والجانب أي أن تعبد الله على واحد وهو الظاهر فقط أو الباطن
فقط وهذا خروج عن جادة التوحيد الخالص
إذ من
كان باطنياً فقط كان زنديقاً شيطاناً لرفضه الشريعة والحكمة ومن
كان ظاهرياً فقط كان فاسقاً لخلو عبادته من الصدق والإخلاص .قال
تعالى
]
وَذَرُوا ظَاهِرَ
الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ[
أي اتركوا كل إثم بما فيه من الشرك الجلي والخفي . وصدق الله
العظيم
]
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي
الشَّكُورُ[
، وإن منكم من يعبدون الله بتقوى شاملة بعيداً عن ظاهر الإثم
وباطنه مع ترك الشرك جليه وخفيه حريصين على المتابعة المحمدية
بحواسهم الحسية وطاقتهم المعنوية فهؤلاء هم الصوفية الذين لهم قدم
صدق عند ربهم لرسوخهم في ( مقام الإحسان ) وتحققهم بأقوال النبي
r
وآله ، وأفعاله وأحواله . ومجمل القول في ذلك أن
هذا الحال هو الذي كان عليه أهل القرن الأول ثم الثاني ثم الثالث
كما جاء في حديث الحبيب المصطفى
r
وآله
، ثم
بعد ذلك أختلط المسلمون بغيرهم ودخلت الفلسفات الأجنبية واللغات
الأجنبية فهب رجال الدين الإسلامي لحمايته والدفاع عنه ، فقام كل
باختصاصه يدون ويؤلف ويكتب ، فهب رجال اللغة العربية فعملوا
وأحسنوا ، وقام رجال الفقه فعملوا وأحسنوا ، وقام الأصوليون
ليدافعوا عن عقيدة المسلمين ، وقام العابدون الورعون العارفون
بربهم ليبينوا للناس الدين الخالص والحال الذي كان عليه أهل القرن
الأول من الرسوخ، ( في مقام الإحسان والتحقق في الدين ظاهراً
وباطناً ، وهم رجال التصوف )، فكان أسم التصوف علما ًعلى هذه
الطائفة القائمة على الحق الظاهرين عليه إلى قيام الساعة .
وكما انه في المحدثين والفقهاء وغيرهم منحرفون عن الجادة فأنالا
أنكر أن الصوفية منهم الغث السمين فمنهم المتحقق ومنهم المتبرك
ومنهم المتلبس المتزندق . قال تعالى :
" هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ
بِمَا يَعْمَلُونَ "
وعلى كل حال فالحجة قائمة وهي في الكتاب والسنة ،
فمن ادعى أنه صوفي متحقق وخالف الكتاب والسنة في أقواله وأفعاله
فمرفوض ادعاؤه ومردود قوله وما أكثر هذا الصنف بين صفوف المسلمين
أعاذنا الله والمسلمين من شرهم .
والآن نرجع لأمر كثر الحديث حوله وهو موقف الصوفية
من ( وحدة الوجود والاتحاد والحلول ) فأقول وبالله التوفيق :-
وحدة الوجود المشار إليها عند الصوفية
المسلمين مغايرة لقول الفلاسفة ووحدتهم الفكرية التي لا تفرق بين
الخالق والمخلوق والصنعة والصانع فأي كفر أعظم من هذا وأي نقص ينسب
إلى الله أعظم من ذلك ؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، والصوفية
أهل الحق براء من ذلك .
فوحدةالوجود
التي يرمز إليها بعض الصوفية أمر معنوي وعلم رباني يتعلق بتحقيق
الوحدانية لله في ذاته وصفاته وأفعاله عرفوا ذلك وتحققوا فيه بنور
رباني وقد قيل فيه ( أتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) ،
وعرفوا ذلك أيضاً بتحققهم بالتبعية المحمدية حيث قال الله لنبيه في
كتابه :
" قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي "
... الآية فالبصيرة المشار إليها هي الؤية القلبية
والمشاهدة الباطنية لحقائق الأمور وبواطن الأشياء فيكتسب صاحبها
علماً لا مطمع للحصول عليه بالفكر أو بالعقل أو النظرة الحسية
،فنظر رحمك الله إلى قوله تعالى لنبيه :
" عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا
وَمَنْ اتَّبَعَنِي "
... الآية فليس هذا النور وتلك المشاهدة القلبية
خاصة بالنبي
r
وآله ولكن يشاركه في هذا المشرب من اتبعه بحق وهم خواص أمته فمن لم
يتحقق بتلك التبعية المحمدية في الأقوال والأفعال والأحوال ، أو قل
في ( الإسلام والإيمان والإحسان ) أو قل في (عمل الظواهر من الوقوف
عند الحدود ، وفي عمل البواطن من التوكل والرضا والتعلق بالمعبود ،
وفي عمل السرائر من الأذواق والمعارف والتحقق بأسرار الوجود ) وإلا
فلا مطمع له بالوصول إلى مراتب الكمال ومقامات الرجال لأنه مقيد
بالوهم والخيال وبالنفس الأمارة التي تتغطرس وتتكبر فتظن أنها تخرق
الأرض وتبلغ الجبال طولاً وما هؤلاء بالنسبة للرجال الكمل من ذوي
المعارف والأسرار إلا بمنزلة الصبيان .
فليس المراد بوحدة الوجود عند هؤلاء الصوفية وجودين
قديمين اتحدا ولا قديم وحادث اتحدا تعالى الله عن ذلك فإنه سبحانه
لا يحل في شئولا يمازج شيئاً ولا شئ في ذاته في خلقه ولا من خلقه
في ذاته ، وقربه وبعده ليس كقرب الأجسام وبعدها، ولا هو محصور ولا
محدود ولا يحمله شئ ولا هو حامل لشيء استوى على عرشه بذاته استواء
يليق به ، مطلق في ذاته وصفاته وأفعاله لا تقوم صفاته إلا بذاته
ولا تفارق ذاته صفاته تنزه عن أوصاف خلقه قال تعالى
:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "
وكل من يتكلم في التصوف من غير أن يتذوقه ويتحققه
وينصب نفسه قاضياً وحاكماً قاسياً على أولياء الله من رجال التصوف
الإسلامي ويصدر حكمه فيهم بما عنده من الجهل بحقائقهم ويؤول كلامهم
الذي لا يفهم معناه على مراده هو ، لا على مرادهم هم إنما ذلك لخبث
في طويته أو جهل مركب أو هما معاً فلا يؤخذ بقوله في شأن الصوفية
والتصوف الإسلامي لأنه جاهل بذلك إذ ليس من اختصاصه .
فقد قال أحد الصالحين ( إن كل من يتكلم في التصوف
أو يحكم عليه من غير أن يعرف حقائقه ويتذوق معانيه إنما هو جاهل
بالتصوف والصوفية فمثله كمن رأى جرة مملؤة مغلقة ورأى النحل يحوم
حولها فحكم على ما في باطنها من تحويم النحل عليها من غير أن يتحقق
بما فيها ) .
والنحل هو الإشارات والرموز التي توحي بأن هناك
شيئاً لا يستطيع من يراه التعبير عنه لدقته وغرابته بين العامة
لأنه من أسرار الله تعالى ، كما قال ابو هريرة رضي الله عنه ( حفظت
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم أما أحدهما
فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم مني هذا البلعوم ) صحيح
رواه البخاري وقال الإمام زين العابدين :-
إني لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى ذاك ذو
جهل فيفتـنا
وقد تقدم في هذا أبو الحسن إلى الحسين ووصى
قبله الحسنا
يارب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن
يعبد الوثـنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبـح ما يأتونـه
حسنـا
وأما الأشخاص الذين حكموا على ما في الجرة خطأ فهم
الذينيتكلمون في التصوف بغير علم ولا تحقق ويزعمون أنه على علموان
لهم يداً على أهل الله وأوليائه وهم مخطئون لأنهم لم يعرفوا التصوف
ولم يلموا بمصطلحاته ورموزه وعباراته.
وقدقال الشيخ محي الدين بن عربي في الباب 314 من
الفتوحاتالمكية : " لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته ، والملك عن
ملكيته ، ويتحد بخالقه تعالى ، لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن
كونه إلهاً ، وصار الحق خلقاً ، والخلق حقاً ، وما وثق أحد بعلم ،
وصار المحال واجباً ، فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبداً " كما قال في
ذلك شعراً :
ودع مقالة قوم قال عالمهم بأنه بالإله
الواحـد اتحـدا
الاتحاد محال لا يقول بـه إلا جهول به عن
عقله شرداً
وعن حقيقته وعن شريعته فاعبد إلهك لا
تشرك به أحدا
فأنظر كيف ينفي الاتحاد والحلول بشدة ، فما كان في
كتبه مما يوهم ذلك فهو إما مدسوس عليه ، وإما فهم على غير
حقيقته... فليتقالله من يطلق لسانه على أهل الله تعالى ( راجع
اليواقيت والجواهر جـ1 ص80 –81 ) ، وهذا أيضاً غير ما أشار إليه
الشيخ محي الدين بن عربي في الفتوحات جـ4 ص372-379 (ما قال
بالاتحاد إلا أهل الإلحاد ومن قال بالحلول فهو معلول لا دواء له) .
وقد قال الشيخ علوان الحموي ( ت 936هـ ) في أحكام
النظر صـ187 ومن ذلك ما أثر من كلام محمد بن واسع تلميذ الحسن
البصري في فنائه عن الخلق بالحق ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه.
فقال معلقاً على المعنى : مذهب أهل الحق أن مولانا عز وجل لا يحل
في شيء ، ولا يحل فيه شيء ، وكلما ورد عليك ما يوهم ظاهره الحلول
فاوله .
ومن التأويل الواعي ما قاله الشيخ أبن تيميه : ( في
مجموعة الرسائل والمسائل صـ86 ) : " إذا قال قائل إلا ورأيت الله
فيه " ، أو قبله وبعده ، بمعنى ظهور الصانع آثار الصانع في صنعته .
فهذا القول صحيح ـ بل القرآن كله مبنى على هذا ،
وهو سبحانه نور السموات والأرض
أما الشيخ الهجويري (ت. 470هـ) في كتابه ( كشف
المحجوب صـ115) تعليقاً على هذه العبارة فقد قال : " إن المرأ
عندما تغلبه المحبة للذات الإلهية يصل إلى مرحلة لا يرى فيها الصنع
وإنما يرى الصانع " وقال أحد العارفين : ( أراد بهذه الرؤية الشهود
لا رؤية البصر لأن الرؤية من خصائص البصر ، والشهود من خصائص
البصيرة ) ن فليتدبر ذلك من يهاجمون الصوفية ، وليتعظوا بمقولة
الشيخ ابن تيمية ، وغيره من أهل المعرفة والبصيرة .
فعلى كل حال سنترك كل من يطوي خبثاً وإساءة لأولياء
الله الذاكرين الله كثيراً من رجال التصوف الإسلامي سنتركه إلى
الله يوم تنكشف الأستار ، وتبرز الأسرار فيعرف حين ذلك ما عندهم من
الحقائق وما عنده من الخيال ، ولكن بعد أن يقطف ثمرة الخسران من
القطيعة والحرمان ويندم حين لا ينفعه الندم . قال عليه الصلاة
والسلام في شأن الذاكرين حديثاً له معناه ( لا يتحسر أهل الجنة في
الجنة إلا على ساعة مرت في الدنيا لم يذكروا الله فيها ) وقال
تعالى : (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) سورة الرعد / 28 .
فماذا نقول لأمثال هؤلاء إلا (أنهم نيام عن الحقائق
فإذا ماتوا انتبهوا) فبدلاً من أن يثوبوا إلى رشدهم ويذكروا ربهم
ويصحبوا هؤلاء الصادقين الذن امر الله بصحبتهم قال تعالى :
" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
"
فبدلاً من ذلك أطلقوا ألسنتهم وأقلامهم لتمطر على
الذاكرين والصالحين مطر السوء فرحماك اللهم فأنت أرحم الراحمين .
بما سبق لخص أحد المفكرين نشأة التصوف في
الإسلام ويؤيد هذا الرأي عن نشوء التصوف ما ذكره العلامة القشيري
حيث يقول الإمام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في رسالته (
الرسالة القشيرية )
:-
( أعلموا رحمكم الله تعالى أن المسلمين بعد رسول
الله
r
لم يتسم أفضلهم في أجيالهم بتسمية علم سوى صحبة
رسول الله
r
إذ لا فضيلة لهم فوقها فقيل لهم ، ( الصحابة ) ،
ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة ( التابعين ) ،
ورأوا ذلك أشرف سمة ، ثم قيل لمن بعدهم ( أتباع التابعين ) ، ثم
أختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية
بأمر الدين ( الزهاد والعباد ) ، ثم ظهرت البد وحصل التداعي بين
الفرق فكل فريق أدعوا أن فيهم زهادا ، فانفرد خواص أهل السنة
المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة
باسم ( الصوفية ) واشتهر هذا الأسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من
الهجرة .
وهكذا يتبين لنا أن التصوف نشأ مع اللإسلام
وولد معه ، لأنه جزء منه وليس بشيء زائد عليه بل هو التطبيق العملي
والجانب الروحي منه ، وهو لا يمت بصلة إلى ما يقوله أعداء الإسلام
عنه أنه مأخوذ عن الأمم الأخرى ، بل ما هو في واقع الأمر إلا حال
النبي
r
وآله والقرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية
، وما الصوفي إلا المسلم الذي يكون في حاله مع الله ومع الناس أقرب
شئ إلى ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وصفوة أصحابه .
الرجوع الى فهرس
المحتوياتÝ
التصوف تعريفاً واشتقاقا
تعريف التصوف
للتصوف تعاريف كثيرة بلغت الألفين . أحسنها واجمعها
هذان التعريفان :
قال ابن عجيبة رحمه الله :-
التصوف : (صدق التوجه إلى الله بما يرضاه ومن حيث
يرضاه )[11].
وقال أيضاً :-
(
التصوف علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك ، وتصفية
البوان من الرزائل وتحليتها بأنواع الفضائل فأوله علم وأوسطه عمل
وآخره موهبة ).
ولقد كادت كتب التصوف تجمع على أنه ( صدق التوجه
المشروط برضى الله سبحانه وتعالى ) .
اشتقاق التصـوف
للتصوف عدة اشتقاقات ذكرت في كتب السادة الصوفية
كالرسالة القشيرية والإحياء وغيرهما ، ولم يتفق الصوفية على واحدة
منها تكون أصلاً لاشتقاق التصوف ، لكن الشيخ ابن عجيبة رحمه الله
ذكر أكثرها واختار الأخيرة منها ، وإليك نص كلامه رحمه الله :-
واشتقاقه ـ أي التصوف إما : -
1-
من الصفاء ، لأن مداره على التصفية .
2-
أو من الصفوة (الكاملين) لأنه اتصاف بالكمالات .
3-
أو من صفة المسجد النبوي ، لأن الصوفية متشبهون
بأهل الصفة في التوجه والانقطاع . وليس هذا اشتقاقاً وإنما هو من
قبيل النسبة لأهل الصفة .
4-
أو من الصوف لأن جل لباسهم الصوف تقللاً من الدنيا وزهداً فيها ،
واختاروا ذلك لأنه كان لباس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وقد أختار ابن عجيبة رحمه الله الاشتقاق الأخير
فقال :
( هذا الاشتقاق أليق لغة وأظهر نسبة ، لأن لباس
الصوف حكم ظاهر على الظاهر ونسبتهم إلى غيره أمر باطن ، والحكم
بالظاهر أوفق وأقرب ) .
الرجوع الى فهرس
المحتوياتÝ
مـن هـو الصوفـي ؟
ويقول الشيخ ابن عجيبة رحمه الله :
( قال سهل التستري : الصوفي من صفا من الكدر
وامتلاء من الفكر وأنقطع إلى الله عن البش واستوى عنده الذهب
والمدر ـ أي لا رغبة له في شئ دون مولاه ) .
وقال الجنيد : ( الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح
ولا يخرج منها إلا كل مليح ) .
وقال
أيضاً : الصوفي كالأرض يطؤه البر والفاجر ، وكالسماء تظل كل شئ
وكالمطر يسقي كل شئ )
وزبدة القول :
والحق أن التصوف تفسير ( لمقام الإحسان ) الذي هو (
مقام الشهود والعيان ) ولا مشاحة في المصطلحات وإنما العبرة
للحقيقة والجوهر ، فإذا كان إصلاح الظاهر واجباً فإصلاح الباطن
أوجب لأنه موضع نظر الله عز وجل ، وإذا كان إصلاح باطن العبد
وسريرته وقلبه جوهر الدين فذلك هو التصوف ، ولا يزيد أبداً عن كونه
إصلاحاً للقلوب .
القرآن
الكـريم والسنـة النبويـة
( مصـدر التصـوف الإسلامـي )
الطرق الصوفية المنسوبة إلى أكابر الأولياء ـ
وبمعزل عما يلصقه بها الأدعياء والمنتسبون من الداخل أو يفتريه
عليها السفهاء والمرجفون من الخارج ـ هي في حقيقتها مدارس عملية
لتطبيق المنهج الإسلامي الشامل ( عقيدةً وشريعةً وسلوكاً وممارسةً
وصوراً حيةً ومعبرةً لما كان عليه الصحابة والتابعون في القرون
الإسلامية الزاهرة ) ، دعت إلى الله تعالى بالسلوك والتطبيق العملى
في المقام الأول لأحكام الشريعة وبالموعظة الحسنة وسبت أغوار النفس
الإنسانية بكل جوانبها السلبية والإيجابية فكان التوفيق حليفها في
هذا المضمار . ومن أقوال أعلام التصوف وأئمته ننقل هنا مايشير إلى
حقيقة ماهم عليه وما يدينون أنفسهم به ويدعون أتباعهم إليه .
قال أبو الفيض ذو النون المصري : ( مدار
الكلام على أربع حب الجليل وبغض القليل ، وأتباع التنزيل ، وخوف
التحويل ) ، القليل هنا بمعنى " ما قل من العمل الصالح " وقيل هو
الدنيا لقوله تعالى ( قل متاع الدنيا قليل ) وهو الأرجح .
وقال أبوالحسن السري المغلس السقطي : (
التصوف اسم لثلاثة معان وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ،
ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ، ولا
يتحمله علي هتك أستار محارم الله ) .
وقال أبو يزيد طيفور بن عيسي البسطامي : ( لو نظرتم
الي رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى
تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة ).
وقال أبو الحسن أحمد بن الحواري : ( من عمل
بلا تباع سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم فباطل عمله ) .
وقال أبو حمص الحداد : ( من لم يزن أفعاله
وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في
ديوان الرجال ) .
وقال أبو القاسم الجنيد بن محمد : ( من لم
يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا
هذا مقيد بالكتاب والسنة ) .
وقال أبو الحسين أحمد بن حمد النوري : ( من
رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربن منه )
.
وقال أبو سعيد أحمد بن عيسي الخراز : ( كل
باطن يخالفه ظاهر فهو باطل ) .
وقال أبو العباس احمد بن محمد بن عطاء الله
السكندري : ( من ألزم نفسه آداب الشريعة نور الله قلبه بنور
المعرفة ، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلي الله عليه وسلم
وآله وصحبه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه ) .
وقال أبو حمزة البغدادي البزار : ( من علم طريق
الحق تعالي سهل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق الي الله تعالي
الا متابعة الرسول صلي الله عليه وسلم في أحواله وأفعاله وأقواله )
.
وقال الامام عبد الله بن علوي الحداد باعلوي
الحسيني رحمه الله تعالي في قصيدته التائية الكبرى :
وما في طريق القوم بدء ولا انتهاء مخالفة للشرع
فاسمع وأنصت
وخـل مقـالات الذيـن تخبطـوا ولا تك إلا مع كتـاب
وسنـة
فثم الهدي والنور والأمن من ردي ومن بدعه تخشى
وزيغ وفتنه
ومتبعـو حكـم الكـتاب وسنـة هم المفلحون
الفائـزون بجنة
عليهم من الرحمن رضوانه الـذي هو النعمة العظمي
وأكبر منة
ومن حاد عن علم الكتاب وسنـة فبشره في الدنيا
يخزي وذلـه
وبشره في العقبى بسكني جهـنم وحرمان جنات
الخلود ورؤية
ويقول الشيخ ابن تيميه عن تمسك السادة
الصوفية بالكتاب والسنة في قسم ( علم السلوك ) من فتاواه ما نصه :
" والشيخ عبد القادر ( الجيلاني رحمه الله ) ونحوه من مشائخ زمانهم
أمروا بالتزام الشرع والأمر والنهي ، وتقديمه على الذوق والقدر ،
وهو من أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى ، والإرادة النفسية ، فإن
الخطأ في الإرادة من حيث هي إرادة إنما تقع من هذه الجهة . فهو
يأمر السالك إن لا تكون له إرادة من جهته هو أصلاً ، بل يريد ما
يريد الرب عز وجل ، إما إرادة شرعية إن تبين له ذلك ، و إلا جرى مع
الإرادة القدرية ، فهو إما مع الرب ، إما مع خلقه ، وهو سبحانه له
الخلق والأمر ، وهذه طريقة شرعية صحيحة "
.
عقيـدة
أهـل التصـوف
بعض أعداء الصوفية المعاصرين يتهمونهم بان لهم عقائد مخالفة لعقائد
المسلمين أهل السنة والجماعة ، وهذه عقائد الصوفية ومعتقداتهم كما
بينها الصوفي الكبير الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه (الأنوار
القدسية في معرفة قواعد الصوفية ) الطبعة الثانية ـ دار جوامع
الكلم ـ الدراسة ـ القاهرة .
ومنها يتبين أنها مطابقة تماماً لمعتقد أهل
السنة والجماعة الموافقة للكتاب والسنة وعقيدة السلف الصالح رضوان
الله تعالى عليهم.
عقائد القوم وبيان موافقتها لعقائد أهل السنة والجماعة :
" اعلم
يا أخي أن القوم اجمعوا على أن الله تعالى إله واحد لا ثاني له ،
منزه عن الصاحبة والوالد ، مالك الملك لا شريك له ، صانعه لا مدبر
معه ، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده ، بل كل موجود
مفتقر إليه في وجوده ، فالعالم كله موجود به ، وهو تعالى موجود
بذاته ، لا افتتاح لوجوده ، ولا نهاية لبقائه ، بل وجوده مطلق
مستمر ، قائم بنفسه ، ليس بجوهر فيقدر له المكان ولا بعرض فيستحيل
عليه البقاء ، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء ، مقدس عن الجهة
والأقطار مرئي بالقلوب والأبصار ، استوى تعالى على عرشه كما قال ،
وعلي المعنى الذي أراده
كما أن العرش وما حواه به استوى
، له الآخرة والأولي ، ليس له مثل معقول ولا دلت عليه العقول ، لا
يجده زمان ، ولا يقله مكان ، وهو الآن على ما عليه كان خلق المتمكن
والمكان ، وأنشأ الزمان ، وقال أنا الواحد الحي الذي لا يؤوده حفظ
المخلوقات ولا ترجع إلية صفة لم يكن عليها ولا تلحقه صفة من صفات
المصنوعات ، تعالي أن تحله الحوادث أو يحلها ، أو تكون قبله أو
يكون قبلها ، بل يقال كان ولا شئ معه ، لأن القبل والبعد من صيغ
الزمان الذي أبدعه ، فلا نطلق عليه تعالي ما لم يطلقه علي نفسه
فإنه أطلق علي نفسه : الأول والآخر لا القبل والبعد . فهو القيوم
الذي لا ينام ، والقهار الذي لا يرام ليس كمثله شئ وهو السميع
البصير ، خلق العرش وجعله حد الاستواء . أنشأ الكرسي وأوسعه الأرض
والسماء ، اخترع اللوح والقلم الأعلى ، وأجراه كاتباً في خلقه إلى
يوم الفصل والقضاء . أبدع العالم على غير مثال سابق وخلق الخلق ،
وأخلق ما خلق
أنزل
الأرواح إلى الأشباح أمنا ، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها
الأرواح في الأرض خلقا ، وسخر لها ما في السموات وما في الأرض
جميعاً منه ، فلا تتحرك ذرة إلا عنه ، خلق الكل من غير حاجة إليهم
له ، ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه بذلك سبق ، فلا بد أن يخلق
ما خلق . فهو (هُوَ الْأَوَّلُ
وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ(3))
، أحاط بكل شئ علما ، وأحصى كل شئ عدداً ، يعلم السر وأخفى ، يعلم
خائنة الأعين وما تخفي الصدور كيف لا يعلم شيئا خلقه؟،
"
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ "
علم الأشياء قبل وجودها ثم أوجدها على حد ما علمها
، فلم يزل عالما بالأشياء لم يتجدد له علم عند تجرد الأشياء ، أتقن
الأشياء وأحكمها بعلمه ، يعلم الكليات والجزئيات على الإطلاق ، فهو
عالم الغيب والشهادة فتعالي عما يشركون ، فعال لما يريد فهو مريد
للكائنات في عالم الأرض والسموات ، لم تتعلق قدرته تعالى بإيجاد شئ
حتى أراده ، كما أنه سبحانه ما أوجده حتى علمه ، إذ يستحيل أن يريد
سبحانه وتعالى ما لم يعلم ، أو يفعل المختار من ذلك الفعل ما لا
يريده ، كما يستحيل أن توجد هذه الحقائق من غير حي ، كما يستحيل أن
تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها .
فما في الوجود طاعة ولا عصيان ، ولا ربح ولا
خسران ، ولا عبد ولا حر ، ولا برد ولا حر ، ولا حياة ولا موت ، ولا
حصول ولا فوت ، ولا نهار ولا ليل ، ولا اعتدال ولا ميل ، ولا بر
ولا بحر ، ولا شفع ولا وتر ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صحة ولا مرض ،
ولا فرح ولا ترح ، ولا روح ولا شبح ، ولا ظلمه ولا ضياء ، ولا أرض
ولا سماء ، ولا تركيب ولا تحليل ، ولا كثير ولا قليل ولا غداة ولا
أصيل ، ولا بياض ولا سواد ، ولا سهاد ولا رقاد ، ولا ظاهر ولا باطن
، ولا متحرك ولا ساكن ، ولا رطب ولا يابس ، ولا قشر ولا لب ، ولا
شئ من جميع المتضادات المختلفة والمتماثلات ، إلا وهو مراد للحق
تعالى ، وكيف لا يكون مراداً له وهو أو جده ؟ . فكيف يوجد المختار
ما لا يريد ؟ . لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، يؤتي الملك من
يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويضل من يشاء
، ويهدي من يشاء ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .
لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئاً لم يرد
الله تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه ، أو أن يفعلوا شيئاً لم يرد
الله إيجاده وأرادوا ما فعلوه ولا استطاعوا ولا أقدرهم عليه ،
فالكفر والإيمان والطاعة والعصيان من مشيئته وحكمته وإرادته ، ولم
يزل سبحانه وتعالى موصوفاً بهذه الإرادة أزلاً والعالم معدوم ، ثم
أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر ، بل أوجده عن العلم السابق ،
وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية على العالم بما أوجدته
عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان فلا مريد في الوجود على الحقيقة
سواه إذ هو القائل سبحانه :
"
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا "
وأنه تعالى كما علم ما خلق ، وأراد فخص ،
وقدر فأوجد ، كذلك سمع ورأى ما تحرك وسكن ، ونطق في الورى ،من
العالم الأسفل والأعلى ولا يحجب سمعه البعد ، فهو القريب ، ولا يحد
بصره القرب ، فهو البعيد ، يسمع كلام النفس في النفس ، وصوت
المماسة الخفية عند اللمس ، يرى السواد في الظلماء والماء في الماء
، لا يحجبه الامتزاج ، ولا الظلمات ، ولا النور وهو السميع البصير
.
تكلم سبحانه ، لا عن صمت متقدم ولا سكوت
متوهم ، بكلام قديم ازلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته ، كلم
به موسى عليه الصلاة والسلام ، سماه التنزيل والزبور والتوراة
والإنجيل والقرآن ، من غير تشبيه ولا تكييف ، إذ كلامه تعالى بغير
لهاة ولا لسان كما ان سمعه من غير أصمخة ولا آذان ، كما أن بصره من
غير أعين ولا أجفان ، كمت أن إرادته من غير قلب ولا جنان ، كما أن
علمه من غير أضطرار ولا نظر في برهان كما أن حياته من غير بخار
تجويف قلب حدث عن امتزاج الاركان كما أن ذاته لا تقبل الزيادة ولا
النقصان
فسبحانه سبحانه من بعيد دان ، عظيم السلطان
عميم الإحسان جسيم المتنان ، كل ما سواه فهو عن وجود فائض ، وفضله
وعدله الباسط والقابض ، أكمل صنع العالم وابدعه حين أوجده واخترعه
، لا شريك له في ملكه ولا مدبر معه فيه إن أنعم فنعم العبد فذلك
فضله ، وإن أبلى فعذب فذلك عدله لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى
الجور والحيف ، ولا يتوجه عليه من سواه حكم فيتصف بالجبر لذلك
والخوف ، كل ما سواه فهو تحت سلطان قهره ومتصرف عن إرادته وامره ،
فهو الملهم نفوس المكلفين للتقوى والفجور
]
أي لتعمل بالتقوى وتجتنب الفجور أو تقوم عليها الحجة بالعلم بما
تفعل [
. فهو المتجاوز عن سيئات من شاء هنا وفي يوم النشور لا يحكم عدله
في فضله ولا فضله في عدله لقدم صفاته كلها ، وتنزهها عن الحدوث .
أخرج العالم قبضتين ، وأوجد لهم منزلتين ،
فقال : هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي ولم يعترض
عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثم سواه فالكل تحت تصرف أسمائه ،
فقبضة تحت أسماء بلائه وقبضة تحت أسماء آلائه ، لو أراد سبحانه أن
يكون العالم كله سعيداً لكان ، أو شقياً لما كان في ذلك من شان
لكنه سبحانه لم يرد ذلك فكان كما أراد فمنهم الشقي ومنهم السعيد ،
هنا وفي يوم الميعاد ، فلا سبيل إلى تبدي ما حكم عليه القدم وقد
قال تعالى في حديث فرض الصلاة :" هي خمس وهي خمسون "
قال تعالى : " مَا
يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
"
[21]
وذلك لحقيقة عميت عنها البصائر ولم تعبر عنها عليها
الأفكار ولا الضمائر إلا بوهب إلهي ووجود رحماني ، لمن أعتنى الله
به من عباده ، وسبق له ذلك في حضرة إشهاده ، فعلم حين أعلم أن
الألوهية أعطت هذا التقسيم ، وإنها من دقائق القديم فسبحان من لا
فاعل سواه ، ولا موجود بذاته إلا إياه
قال تعالى : "
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ "[22]
" لَا
يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ "
" قُلْ
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ
أَجْمَعِينَ "
وكما شهدنا لله تعالى بالوحدانية وما يستحقه من
الصفات العلية ، كذلك نشهد لسيدنا ومولانا محمد (r)
بالرسالة إلى جميع الناس كافة بشيراً ونذيرا ، "
وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ
وَسِرَاجًا مُنِيرًا "
وأنه
r
بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه وأدى أمانته ، ونصح
للأمة ، وقد ثبن أنه
r
، وقف في حجة الوداع على كل من حضره من الأتباع ،
فخطب وذكر وخوف وأنذر ووعد وأوعد ، وأمطر وأرعد ،وما خص بذلك
التذكير أحداً دون أحد ، عن إذن الواحد الصمد ثم قال : ألا هل
بلغت؟ فقالوا جميعاً : قد بلغت يا رسول الله ، فقال
r
وآله : اللهم فاشهد
ونؤمن بكل ما جاء به رسول الله
r
وآله ، مما علمنا ومما لم نعلم فمما علمنا وتحققنا
مما جاء به وقرر ، أن الموت عن أجل مسمى عند الله إذا جاء لا يؤخر
، فنحن مؤمنون بهذا إيماناً لا ريب فيه ولا شك ، كما آمننا وأقررنا
وصدقنا أن سؤال منكر ونكير في القبر حق ، وأن عذاب القبر حق ،
والبعث من القبور حق ، والعرض على الله تعالى حق والحوض حق ،
والميزان حق ، وتطاير الصحف حق ، والصراط حق ، والجنة والنار حق ،
وفريقاً فى الجنة وفريقاً في السعير حق ، وأن كرب ذلك اليوم على
طائفة حق وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر حق ، وأن شفاعة
المصطفى صلى الله عليه وسلم حق وأن شفاعة الأنبياء والملائكة
وصالحي المؤمنين حق ، وشفاعة أرحم الراحمين حق ، فتشفع أسماؤه من
الحنان والرحمة عند أسماء الجبروت والنقمة والعدل وكذلك نؤمن بأن
إيمان أهل النار كفرعون وغيره غير مقبول ولا نافع ، وأن جماعة من
أهل الكبائر من الموحدين يدخلون جهنم ثم يخرجون بالشفاعة حق وأن كل
ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله تعالى حق .
كذلك نؤمن بأن التأبيد للمؤمنين في النعيم
المقيم حق ، والتأبيد للكافرين والمشركين والمجرمين في النار حق ،
فهذه عقيدة القوم رضي الله عنهم أجمعين . وعقيدة عليها حيينا
وعليها نموت . كما هو رجاؤنا في الله عز وجل . فنسأل الله من فضله
أن ينفعنا بهذا الإيمان ويثبتنا عليها عند الانتقال إلى الدار
الحيوان . ويحلنا دار الكرامة والرضوان ، ويحول بيننا وبين دار(
سرابيل أهل القطران) ، ويجعلنا من العصابة التي تأخذ كتبها
بالإيمان ، وممن ينقلب من الحوض وهو ريان ويرجح له الميزان
بالإحسان ، وثبت منه على السراط القدمان . إنه المنعم المنان آمين
اللهم آمين ، اللهم آمين ( بفضل الله العظيم ورسول رحمته الكريم )
حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ
فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ
" سورة التوبة / 59
فأمعن يا أخي النظر في هذه العقيدة فإنها عظيمة
الشأن ،. وإن حفظتها عن ظهر قلب كان أولى لك فأولى ، والله يتولى
هداك ، والله يرعاك ولك يتولى .
تلك كانت (عقيدة أهل التصوف ) كما بينها الصوفي
الكبير الشيخ عبد الوهاب الشعراني صاحب المؤلفات الكثيرة في علم
الصوف ، وهي عندما يتدبرها المنصف يراها مطابقة تماماً بل هي نفس
عقيدة السواد الأعظم ، أهل السنة والجماعة ، التي عبر عنها كل من
الإمام الطحاوي والإمام حجة ـ الإسلام الغزالي ، وأخيراً الإمام
عبد الله ابن علوي الحداد الحضرمي الحسيني رحمهم الله تعالى أجمعين
.
من هـم الأشاعــرة
ومن أعلام الهدى فيهم ؟!
يتضح مما مر من اعتقاد الصوفية أنه اعتقاد الأشاعرة
غالباً فمن هم الأشاعرة ؟
يقول العلامة السيد الشيخ محمد علوي المالكي :
يجهل كثير من أبناء المسلمين مذهب الأشاعرة ، ولا
يعرفون من هم الأشاعرة ، ولا طريقتهم في أمر العقيدة ، ولا يتورع
البعض أن ينسبهم إلى الضلال أو يرميهم بالمروق من الدين والإلحاد
في صفات الله . وهذا الجهل بمذهب الأشاعرة سبب تمزق وحدة أهل السنة
وتشتت شملهم حتى غدا البعض يسلك الأشاعرة ضمن طوائف أهل الضلال ،
ولست أدرى كيف يقرن بين أهل الإيمان وأهل الضلال ؟
وكيف يساوى بين أهل السنة وبين غلاة المعتزلة وهم
الجهمية ؟
" مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36)أَمْ لَكُمْ
كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ "
سورة
القلم / 35-36
الأشاعرة هم أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين
الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها ، وأطبق الناس على فضلهم
ودينهم . هم جهابذة علماء أهل السنة وأعلام علمائهم الأفاضل الذين
وقفوا في وجه طغيان المعتزلة أنهم طوائف المحدثين والفقهاء
والمفسرين من الأئمة الأعلام :
شيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلاني شيخ المحدثين
بلا مراء صاحب كتاب " فتح الباري على شرح البخاري " أشعري المذهب
وكتابه لا يستغنى عنه أحد من العلماء .
شيخ علماء أهل السنة الإمام النوري صاحب " شرح صحيح
مسلم " وصاحب المصنفات الشهيرة أشعري المذهب .
شيخ المفسرين الإمام القرطبي صاحب تفسير " الجامع
لأحكام القرآن " أشعري المذهب .
شيخ الإسلام ابن حجر الهيثمي صاحب كتاب " الزواجر
عن اقتراف الكبائر " أشعري المذهب .
شيخ الفقه والحديث الإمام الحجة زكريا الأنصاري
أشعري المذهب
الإمام ابن حجر العسقلاني ـ صاحب فتح الباري على
شرح البخاري .
الإمام النسفي صاحب التفسير .
الإمام الشربيني .
أبو حيان التوحيدي صاحب تفسير " البحر المحيط " .
الإمام ابن جزي صاحب " التسهيل في علوم التنزيل "
... الخ
الإمام ابن كثير صاحب التفسير .
الإمام الشوكاني .
الإمام ابن عطية صاحب التفسير .
كل هؤلاء من أئمة الأشاعرة . ولو أردنا أن نعدد
هؤلاء الأعلام من المحدثين والمفسرين والفقهاء من أئمة الأشاعرة
لضاق بنا الحال واحتجنا إلى مجلدات في سرد هؤلاء العلماء الأفاضل
الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها إن من الواجب أن نرد الجميل
لأصحابه وأن نعرف الفضل لأهل العلم والفضل . الذين خدموا شريعة سيد
المرسلين (من العلماء الأعلام) . وأي خير يرجى فينا إن رمينا
علماءنا وأسلافنا الصالحين بالزيغ والضلال ؟ وكيف يفتح الله علينا
لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الإنحراف والزيغ عن طريق
الإسلام ؟ إنني أقول : هل يوجد بين علماء العصر من الدكاترة
والعباقرة من يقوم بما قام به شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني
والإمام النووي من خدمة السنة النبوية المطهرة كما فعل هذان
الإمامان الجليلان تغمدهما الله بالرحمة والرضوان؟ فكيف نرميهما
وسائر الأشاعرة بالضلال ونحن بحاجة إلى علوم هؤلاء ؟ وكيف نأخذ
العلوم عنهم إذا كانوا على ضلال ؟ ، وقد قال الإمام الزهري رحمه
الله : إن العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم .
أفما كان يكفي أن يقول المعارض : إنهم رحمهم الله
اجتهدوا فأخطئوا في تأويل الصفات وكان الأولى أن لا يسلكوا هذا
المسلك ، بدل أن نرميهم بالزيغ والضلال ونغضب على من عدهم من أهل
السنة والجماعة ؟ . وإذا لم يكن الإمام النووي ، والعسقلاني
والقرطبي والفخر الرازي والهيثمي وزكريا الأنصاري وغيرهم من جهابذة
العلماء وفطاحل النبغاء إذا لم يكونوا من أهل السنة والجماعة فمن
أهل السنة والجماعة إذن؟
إنني أدعو مخلصاً كل الدعاة وكل العاملين في
حقل الدعوة الإسلامية أن يتقوا الله في أمة محمد صلى الله عليه
وسلم وبخاصة في أجلة علمائها وأخيار فقهائها ولا خير فينا إذا لم
نعرف لعلمائنا قدرهم وفضلهم .
وهذا محرر من ( مفاهيم يجب أن تصحح ) 38 ـ 40
للسيد محمد علوى المالكي ) وغيره من المراجع الموثقة .
أما الإمام محيي الدين النووي المتوفى سنة 676
هـ فيقول في رسالته ( المقاصد السبعة في أصول طريق التصوف ) :
وهي خمس . تقوى الله في السر والعلانية . واتباع
السنة في الأقوال والأفعال . والإعراض عن الخلق في الإقبال
والإدبار . والرضا عن الله تعالى في القليل والكثير . والرجوع إلى
الله في السراء والضراء .
( فتحقيق التقوى ) بالورع ، والاستقامة . وتحقيق
السنة بالتحفظ ، وحسن الخلق . ( وتحقيق الإعراض ) بالصبر ، والتوكل
. ( وتحقيق الرضا ) عن الله بالقناعة والتفويض . ( وتحقيق الرجوع
إلى الله تعالى ) بالشكر له في السراء ، واللجوء إليه في الضراء .(
وأصول ذلك خمسة ) علو الهمة، وحفظ الحرمة ، وحسن الخدمة ونفوذ
العزيمة ، وتعظيم النعمة .
( فمن علت همته ) ارتفعت رتبته . ومن حفظ
حرمة الله حفظ الله حرمته . ومن حسنت خدمته وجبت كرامته : ومن نفذت
عزيمته دامت هدايته ، ومن عظم النعمة شكرها . ومن شكرها استوجب
المزيد .
( وأصول المعاملات خمسة ) طلب العلم ، للقيام
بالأمر . وصحبة المشائخ والأخوان للتبصر . وترك الرخص والتأويلات .
للتحفظ . وضبط الأوقات بالأوراد ، للحضور . وأتهام النفس في كل شئ
. للخروج عن الهوى . والسلامة من العطب .
( فطلب العلم ) آفته صحبة الأحداث سناً وعقلاً وديناً مما لا يرجع
إلى أصل ولا قاعدة ، وآفة الصحبة الأغترار والفضول . وآفة ترك
الرخص والتأويلات الشفقة على النفس
:
وآفة اتهام النفس الأنس بحسن أحوالها وأستقامتها : وقد قال الله
تعالى
وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا
سورة الانعام / 70
( وأصول ما تداوى به علل النفس ) خمسة : تخفيف
المعدة بقلة الطعام والشراب واللجأ إلى الله مما يعرض عند عروضه ،
والفرار من مواقف ما يخشى الوقوع فيه ، ودوام الاستغفار مع الصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم بأجتماع الخاطر ، وصحبة من يدلك على
الله تعالى .
الرجوع الى فهرس
المحتوياتÝ
أقوال
بعض كبار العلماء في التصوف والصوفية
قال الشيخ ( عبد القاهر البغدادي ) : قد أشتمل كتاب
تاريخ الصوفية لأبى عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفيه
ما فيهم واحد من أهل الأهواء .
وقال ( أحمد بن زروق ) حد التصوف ورسم وفصل
بوجوه تبلغ نحو ألفين ترجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ،
وإنما هي وجوه فيه ( والله أعلم ) وصدق التوجه مشروط بكونه من حيث
يرضاه الحق تعالى ، ولا يصح مشروط بدون شرط ـ
"وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ
لَكُم "
فلزم
تحقيق الإيمان
فلزم العمل بالإسلام فلا تصوف إلا بفقه ، إذ لا
تعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه ، ولا فقه إلا بتصوف ، إذ لا عمل
|