بسم الله الرحمن الرحيم
النظام الخاص لأهل الاختصاص
للغوث الكبير سيد أهل الطريقة والحقيقة
سيدنا ومولانا أحمد الرفاعي الكبير
قدس الله سره ورضي الله عنه
512 – 578 هجرية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله تمجيداََ لذاته المستحقة الحمد ،
والصلاة والسلام على نبيه ورسوله الكريم محمد ، صاحب لواء الحمد ،
وعلى آله وأصحابه الثابتين على العهد ، والموفين بالوعد ،
**********************
أما بعد : أي سادة ! ذرات الحادثات محكومة لسلطان الخالقية ، ومنها العالم الإنساني ، فهو مرؤوس مقدور لذلك السلطان الرباني ، وهو في قبضته ، وكل فرد منه مملوكٌ لبارئه ، عبدٌ له سبحانه وتعالى ، حرٌّ بالنسبة إلى غير الباري تعالت قدرته ، والناس في مرتبة المملوكية ومنزلة العبدية له سبحانه سواء ، فكلما صحت نسبة العبد إلى سيده - جلت عظمته - ارتفع في مقام عبديته عن إخوانه في نوعه وعلا عليهم ، حتى إذا صار له من السلطان الإلهي معنى ترأس به ، لا بنفسه على غيره ، وسعة أمر رياسته هي بنسبة المعنى الحاصل له من قدس بارئه جلّ وعلا ، هؤلاء المرسلون في النبيين أعلا منهم مرتبة ، وأوسع رياسة ، هؤلاء أولو العزم من المرسلين ، أرفع مقاما ، وأعم أمرا ، هذا سيد أولي العزم نبينا البر الرحيم صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين ، فهو في أولي العزم أعظم مكانة ، وأشمل دعوة ، وأوسع دائرة ، وأتم حكما ، وأبلغ حجة ، وأمنع سلطانا ، لما حصل له من جليل المعنى القدسي فوق غيره من إخوانه النبيين والمرسلين ،صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.
وعلى هذا ، فالأمر النافذ القائم المحكّم في عوالم الإنسان ، هو الأمر الإلهي ، والقائمون به بالتقليد الرباني : الأنبياء والمرسلون ، وعنهم العلماء بالله حكماء الدين ، الذين هم ورثة الأنبياء ، وزمامه بيد نائب النبوة في كل عهد وزمن ، به يصول ويجول ، ويفعل ويقول ، وتخضع له الفحول ، وله الرياسة العامة في مقام النيابة المحضة الجامعة ، وبعده فالقوم أرباب البصائر ، المندرجون في ذيل العلم بحال النبوة ، وسر الخلق ، وحكم الخالقية ، فلهم كل بنسبة حصته - رياسة على من دونه من إخوانه ، يعلّمهم يزكيهم ، يرفق بهم لتعليمهم ، يغلظ عليهم لتأديبهم ، يسوقهم إلى بساط العلم وحضرة الفهم ، لينقذهم من وهدة الجهل ، من أسر الإنحطاط عن هذا السر ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، من ظلمات سفل الطبع ، ودناءة الهمة ، وقصر النظر ، وسقم الغاية ، إلى نور شرف الطبع ، وعلو الهمة ، وصحة النظر ، وجليل الغاية ، فيقوم اعوجاجهم ، ويصلح احديدابهم ، وتذهب طمّة فشلهم ، وتنطمس ثورة ذلتهم ، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
لا تزعم أي أخا الحجاب أن أخاك الإنسان الآخر عبَدَك بدريهماتك ، بوقتك ، بحظك ، بشأنك ، بما أنت فيه من أمرك ، هو فوق ذلك ، وأنت دون ذلك!
كل من ساواك بتركيب الهيكل ، أو ماثلك بالصورة والنسق ، فهو أخوك بجنسيتك ، شريكك بآدميتك ، لا هو مملوكك ، ولا أنت مالكه.
وكل من خالفك بتركيبك ، فهو ملحق بجنسه حقر أو عظم ، وأنت ملحق بجنسك ، فاعرف حدك ، ولا تبق وحدك.
حاجتك مُلزِمة لك ، وحاكمة عليك بالانضمام إلى أبناء جنسك ، والاستئناس بهم ، وقاضية على طبعك بالأدب مع صنوف أجناس الأشياء ، ومن ذوات أرواح وجمادات بارزات ومطويات ، علويات وسفليات ؛
فاجمع رأيك على العلم بالله ، لتعلو في مرتبة آدميتك بين جنسك ، ولتزكو في نفسك ، ولا تكن قليل العِبرة ، خامل الهمة ، قصير النظر ،
أنظر حكم ربك ، سر بروحك ،سَيِّرْ همتك في ملكه سبحانه ، اعتبر بمصنوعاته ، قال تعالى : ((فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ {2})) سورة الحشر.
استَرَقَّ أمرُه أقواما ؛ هم لولا أن استرقَّهم أمرُه أحرارْ ، خالفوه فأوقعهم في وهدة الرِّق ؛ استعبدهم عصيانهم ، أذلهم طغيانهم . فخذ بهمتك العلية طريق الإستسلام له محجة (جادة الطريق) وسر إليه أمينا من غيره ، لا تقل: قدره أوقفني عن السير إليه ! هذا من بَطالتك ، من كسل عزمك ، وفتور عزيمتك!
اجعل القضاء والقدر صفَّاً ، وابعث معهما : قلبك ويقينك واعتقادك واجعل العقل والتدبير صفّاً وابعث معهما : رأيك ، وحزمك ، وأملك بربك واعتمادك ، وأقِم بين الصفين حرب العمل ، وكن أنت في صف العقل والتدبير المؤيد بحُسن الظن بالله ، وبصدق الاعتماد عليه سبحانه ، فإذا انكشف غبار ذلك الحرب عن غلبة لك في أمرك ، فقد أثمر غصن أمَلِكَ بربك ، وحسن ظنك به ، وصدق اعتمادك عليه ، ففزت بمطلوبك ؛
وإن انكشف الغبار عن مغلوبية لك في شأنك ، فقد انكشف لك غطاء القدر ، وأنت حينئذ معذور ، وسعيك مشكور ، وعملك عند الله تعالى وخاصةِ عباده مبرور.
الله ، الله ، بك ، أوصيك بك أيها العاقل ! فإنك خزانة من خزائن الرحمن ، عظيم عند من صوَّرك إن عظَّمت ذاتك وعرفتَ شرفها ؛ قد امتازك ربك بالعقل ، ورفع به درجتك على من هو دونك ، وأعطاك لساناً يقذف درر الحكمة إلى سامعيه ، فيختلب بها قلوبهم ، ويَشْغَل ألبابهم ، ويعقد هممهم ، ويوقفهم عند حدودهم ، ويجمعهم على صعيد القصد ، فلا تستصغر شرف الكلام ، وتهمل مرتبته التي هي أعلى المراتب المتدلية من العلى ، تدنياً الى العالم الأدنى.
هذه:( أ.ب.ت.ث.ج.ح.خ.د.ذ.ر.ز.س.ش.ص.ض.ط.ظ.ع.غ.ف.ق.ك.ل.م.ن.هـ.و.لا.ي )
هي حروف التهجي ، ورابطة نظم الكلام ، وكتاب الله المنزل على آدم عليه السلام ، والكلام سيف الله الذي يجمع به ويُفرِّق ، ويُبغِّض به ويحبِّبْ ، ويفعل به العجائب ، تَصلح به القلوب ، ترتبط به الأسرار ، تلين بسببه الخواطر ، تحصل الأُلفة والمودَّة ، تُشَقُّ به العصا ، تنحدر من موجته سيول الفتن ، تنطلق بسَيَّال محدره عوائث غُثاءِ المحن ، تنشط بهمة أساليبه الهمم ، ترتفع بنهضته العزائم إلى حضرة القرب ، تنحدر بجاذبته المواهب إلى حظيرة القلب ، وراءه السيف المصلت ، إذ هو مخبأ في طيه يُلْقَى هو أولاً ، ويقوم له السيف ثانياً ، فهو من آلاته ، من مواده ، يعمل له ليرجع النظم إِليه.
كلمة يقولها القائل ، وهو كافر زنديق ، فيقف بها في صف المؤمنين الموقنين !
وكلمة يقولها القائل ، وهو مؤمن وثيق ، فيقف بها في صف الكافرين الجاحدين !
ببيعتك أيها اللبيب على اسم ربك ، بعهدك على طريق نبيك ، تتصدر في محاضر القدس ، هي كلمة قلتها ، ووقفت عندها ، فدخلت في القوم الذين ألزمهم:((كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)).
الكلام الذي ينطق به لسانك ، ويأتي بمركَّبه فمك ، آية قلبك ، خزانة سرك ، مجموع شرائف عينيتك ، مواد صفاتك ، نظم كليات ذاتك ، أفرغت كُلّك فيه ، بعد أن خرج من فيك ، كتب عنك ، بل كتبك على الرقاع ، نقل عنك ، بل نقلك إلى الأسماع ، أطافك في الأفواه والصحاف ، أقامك في المجالس والدواوين ،أثبتك في العيون و القلوب.
كن شريف الكلمة ، شريف الهمة ، أخا الحكمة ، لا تمط نقاب الحكمة بالوهم ، وتعمل كالفيلسوف الذي جرد الحكمة عن شرفها ، إذ كساها باسم الفلسفة غير كسوتها !
أجل ، كُن حكيماً وانطق بالحكمة ، وإياك والتفلسف فإن منه طرق وهم تدفع إلى غير سبيل الصواب ، لتُوسع لطائف الخيال ، في مجالات التنفيذ والتطرق ، بما لا يقف به العقل ، طلباً لزبدة المطلب ، والقصدُ على ما هو عليه حسنٌ ؛ ولكن جرد كلام الفيلسوف للسامع من كلمة الحق باطل نفس المتكلم ، قصد بالمجرد عن الحكمة ؛ وجردَ كلام من ظن به الخير من كلمة الباطل حق حسن الظن ، فربطه حسن الظن بهذرته ؛ فيا ليت الفيلسوف طمس باطل نفسه ، ولزم الحكمة فقام لها ، وقال بها ، ونفع الناس ؛ وليت من ظن به الخير ، مَحَقَ باطله فأخذ بحبل الحكمة ، وغسل صحيفة سره من زوره وبهتانه ، وتمسك بأذيال الحكماء ، فانتفع بهم ، ونفع بعلمهم الناس.
ومن العجائب فقد يفجر الرجل بنفسه ، ويصون سر الحكمة ! فيؤيد الله به أمره ، ويُعِزُّ به جنده ،
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ في غزوة خيبر ـ ( قم يا بلال فأذن ، أن : لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر)
ماذا يفعل العاقل بحلس البيت ، من القوم الذين انتفخت أوداجهم بالدعوى ، ولا أثر لهم في الدين؟
قال جابر رضي الله عنه: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية : (أنتم خير أهل الأرض) وكنا ألفا وأربعمائة ، ولو كنت ابصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة ، يريد بالشجرة: الشجرةَ التي بايعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحتها ، المعنية بقول الله تعالى (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ )) فانظر أيها الأخ اللبيب ! كيف صحت الخيرية ، لألف وأربعمائة رجل إذ ذاك ، دون أهل الأرض شرقها وغربها ؟ هل كان ذلك إلا لأنهم تجردوا بأنفسهم وأموالهم لإعلاء كلمة الله تعالى ، وإعزاز دينه ؟ وعلى ذلك بايعوا رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وعليهم أجمعين.
وهل الدين إلا كلمة صادقة وهمة عالية ؟ تَسقط همة الرجل الماجد الكريم على كل شريفة ، وتسقط همة الخِبِّ الدنيء على كل ساقطة ، ورَبُّ الشبهة يتطرق الشبهة ،والخيِّرُ لا يظن إلا خيرا ، ولا تثِبُ به همته إلا إلى المعالي ، وعلو الهمة من الإيمان ، والساقط الوضيع يريد الترفع بهمته ، فتغلِبُهُ نفسه ، فَتَرَفّعُ بنزعها ، وتتداعى همته ساقطة بطبعها ، ويرى لخباله بمرآة خياله أنَّ ترفع نفسه بنزغها عن الهمة !
ثكلته أمه! ما فرَّقَ بين الوقاحة والرجاحة؟ هل تستوي الظلمات والنور؟
الهمة ترفع العبد إلى مقام السر والنجوى.
همة العارف بربه ، الحكيمِ بنوره ، أرفع من العرش ، هات - أي أسير الدعوى - طور همتك ، وقسه على أطوار أهل الهمم ، واحكم إن كنتَ من المؤمنين ، إن كنت من الصادقين.
إسْحَقْ برحى الحكمة دقيق شعير مُخيِّلتك ، لينسِف عنك دقيقا تسفوه الرياح ، وإذاً فاستنق لطبعك بُرَّاََ نقيا من زرع الحكماء ، أعيان السلف ، وُرَّاث نبيِّ الهدى صلى الله عليه وآله وسلم.
قال عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام:(يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس ، فيقال:هل فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فيقال نعم ، فيفتح عليه ، ثم يأتي زمان فيقال : فيكم من صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فيقال: نعم ، فيفتح ، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فيقال: نعم ، فيُفتح ).
هذا التحكم سر الوراثة المحمدية ، وسنته صلى الله عليه وآله وسلم قائمة ، وحكمته دائمة ، فلا تكن أيها الأخ الصالح محروما من غنيمة سنته ، ممنوعا بِهَمِّ واهمتك عن مائدة حكمته ، فأنت إن أحييت سنة من سننه ، أو بثثت حكمة من حكمه ، فالفوز لك والبشرى المستمرة ، لأنك صرت من حزبه ، ودخلت في عداد خير أهل الأرض خاصته ، وكنت معه غدا وهو يقول من حديث : ( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها ).
رابط في سبيل الله بمالك ، بنفسك ، بعلمك ، بعملك ، بحكمتك ، بهمتك.
الشريف من بني فاطمة عليها السلام وقيَّده الشرع لإعلان علو الهمة له عن أكل الصدقة.
قال النبي عليه الصلاة والسلام لأحد سبطيه الكريمين : ( أما علمت أنَّ آل محمد لا يأكلون الصدقة ).
وأهل الحضرة الإلهية يعملون بعمل آل محمد ، ويحثون الناس على العمل بعملهم ، تترفع هممهم عن البطالة والكسل ، ترفعهم النخوة والغارة الفعالة والمروءة المحمدية إلى شق غبار الأكوان ، وخوض معامع الوجودات ، كل ذلك لله ولرسوله ولإعلاء كلمة الله في ملك الله ، بِحِكَمٍ قاهرة ، وهمم زاهرة ، جمعت بين أمري الدنيا والآخرة ، وكذلك الموفقون والمقربون والمحبون ، وأولئك هم المفلحون ، بل وأولياء الله المقبولون:((أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {62}))سورة يونس
أخذ الله العهد على روح أحيمد العبد اللاش أن لا تقف عند سفاسف الأمور ، ألا من علت في الله همته ، علت عند الله مرتبته ، ومن وقف مع غرضه ، ما عوفي من مرضه! ومن لم يصرع صنوف الحادثات بكفِّ الطرْف عنها ارتياحا لموجدها وانبساطا به فهو عن حلاوة الإيمان وعن مذاق شراب الهمة بمعزل.
ولا يخطَفنَّك حَثِّي لك على عُلوِّ الهمة : أن تهمل العلم بحال الضعاف والفقراء ، وحرفهم وصناعئهم ، وما هم عليه من عاداتهم وأمور معاشهم ، فإن العلم بذلك والعمل به ، والتحقق بكله ، والوقوف على سره والترقي فيه إلى ما لا غاية له ، إلا الشرع : إنما هو من علو الهمة ، ومن بوارق أسرار النبوة.
هؤلاء الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام كلهم رعوا الغنم ومنهم نبينا سيد العرب والعجم ، لتطرق طرائق الأمم ، والعلم بأحوال طوائفهم ، وللإقتدار على سياسة عوالمهم ، وللتدرب بالرفق ومسالكه ، حتى بشأن الحيوانات غير الناطقة ، بل وللتسلق إلى نسج خِدر الهمة ، بالرفق العام في حق كل بارز وطامس عيني وغيبي ، ليكون ذلك السيّد : رحمةً عامَّةً على خلق الله ، وبحراً فياضاً عذباً هنيئاً مريئاً يسح على ملك الله ، وهذا طريق الورّاث ،الذين أثابهم الله الفتح ، وأوصلهم بحبال الرُّسُل ، وجعلهم نواباً عنهم ، وجمع عليهم أمرهم ، وحققهم بالتخلق بأخلاق دُرّة قلادة المرسلين ، وأكرمهم على رب العالمين ، سيدنا محمد النبي الأمين ، عليه وعليهم صلوات الملك البَرّ المعين ، وهنالك يقدر على إيضاح ما يلزم للخلق في أمر معادهم ومعاشهم ، ويكون كالغيث ، أين وقع نفع ، والله وليُّ المتقين ، وإليه يرجع الأمر ، ومنه العون والنصر ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
شرف العقل بالإنصاف ، وإلاّ فهو مغلوب لما تبرزه له النفس من غرارة الهوى ، وشرف الفهم بالإذعان ، وإلاّ فهو محكوم لطارق الرأي ، والدامغُ لباطل الحرص ، والأمل حدُّ الحق ، ومن أخذه باطله فتجاوز به حد الحق فهو غدّار! وأُمُّ هذه الآمال الكاذبة:سبحةُ خاطر ، تجر الفكر إلى استحضار لذة تطيب لها النفس ، وتفرح بها الشهوة ، وتقف عندها العزيمة! فهنالك يقود الفكرُ العزم فيخوض معامع الأغراض!
لو طرق طارق العزم باب السماء - ولم تكن له آية علم إلهي ، تجمع به قوما على الله فتنفعهم في دينهم ودنياهم - فليس بشيء ، ومن لم يغر على المحبوب فلا يرضى أن يسلك ذمُّه في أُذُنه فليس بمحب ، ولا الصديق إذا لم يغر على صديقه حتى لا يرضى أن يسلك ذمُّه فليس بصديق!
والنخوة سلم العبد إلى سدرة منتهى المجد وفيها من ثورة الغيرة لله أُسٌّ كريم ، والاستقامة وصف لا يشتمل عليه إلاّ رداء كل عظيم ، والعارف المحض يستقل الدنيا ، فلا يراها إلا دون شراك نعله ، ويستعظم الأشياء لموجدها فلا يرى إهمال شيء ردا بذلك الشيء إلى أصله ؛
هات ، اجمع يا حكيم بين هاتين ، وأنت إذاً الرجل العظيم ، شُفْ بباصرة علمك سيرة نبيك الأمين وآله الطاهرين ، وأصحابه الهداة المرضيين ، فتحوا البلاد ، وصانوا العباد ، ومهّدوا السُّبُل ، وأفاضوا العدل ونظٍّموا الأمور ، وأحكموا حكمة سياسة الأمم ، وهم أزهد الناس بالدنيا وأعراضها ، وأبعدُهم عنها وعن أغراضها.
سِر بين الحائطين: حائط العمل ، وحائط التسليم ، ورُحْ إلى عالَمِ جمعك بفرقك ، ولا تجمع بين حَدَثك وقِدَم ربك ، فإنك إن فعلت ذلك انخرطت في الضالين!
اجمع بفِرْقك بين علمك وأمره ، بين عملك ورضاه ، بين طلبك وكرمه ، وأنت حينئذ من الصالحين.
لا تنم على حِلْس حالك ، غير مترفع إلى حالٍ فوقه ، فإن من تساوى يوماه فهو مغبون!
ما أطيب السير في الله إلى الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون.
كن في موعظتك حكيماً: ((وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً)) واعمل بعلمك إذا كفاك للعمل ، ولا تقف في العلم عند غاية ، فإن غايته فوق عمرك ، أُطلبوا العِلمَ من المهد إلى اللحد ((أعُوذُ بِالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)).
ارفع نظرك إلى المعالي بدينك ، إلى المعالي بنبِيَّك ، إلى المعالي بربِّك ، لا تَضَعْ عزيز نظرك على تراب الضعة فتربُض على كل قتب ، تلك سيمة البطالين ، وتدرَّعْ بدرك علم الصحابة ، وانتسق بنسق حال الآل الكرام ، عليهم جميعاً الرضوان والسلام ، وهنالك لا يطغيك حال ، ولا يُزيغك شان ، وصُف نفسك - وإن بَعُدَ المدى عليك - بصفِّهم يدخلك فيهم تحققك بأحوالهم ، ويحققك بهم تخلقك بأخلاقهم :(مَنْ غَشَّنَا لَيْسَ مِنَّا) وعلى هذا ، فمن لم يغشنا فهو منَّا ، قَرُبَ المدى أو بَعُدَ ، هذا في الأمرين ، وعلى الحالين.
شارقةُ فجر النور المحمدي طالعة لا تغيب أبداً ، إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها ، وهو خير الوارثين ، فمن كلف نفسَه خدمة ذلك الجناب بإحياء سنته وإعلاء أمره فقد فاز وله أجر مائة شهيد ، يؤيد ما أقول قوله عليه الصلاة والسلام :( مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مائَةُ شَهيد ).
قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله ! أي الناس أفضل؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم :( مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله ) قالوا : ثم من ؟ قال : ( مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره ).
أفهمت أيها الأخ الصالح ! وأدركت أن نبيك سر سرارة الأزل ، ونور باصرة الأبد صلى الله عليه وآله وسلم ، فرَّق الناس ، فقسمهم إلى ثلاثة أقسام :
1- رجل نافع يجاهد في الله بنفسه وبماله - 2 - ورجل يتقي الله ويعتزل الناس لكي لا يضرهم- 3 - ورجل إن لم يكن أحد الرجلين ، فهو - حمانا الله وإياك مضر ، وهو هالك ! هذا ما تضمنه كلام صاحب جوامع الكلم ، وأفضل الثلاثة : المجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.
تهادت عيس همم الموفقين إلى طلب الحق بالجهاد فى سبيله ، وإن ذلك لعلى طرق وأقسام : منه جهاد باللسان ، ومنه جهاد باليد ، ومنه جهاد بالمال ، ومنه جهاد بالعزم ، ومنه جهاد بالعزيمة ، وكلها تؤول إلى الله ، يشملها قوله تعالى : (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) وأشرفهم الجامعون.
وإن نظر السلطة ليحكم على الطباع من طرق شتى : حق ، وباطل ، ووهم ، وغير ذلك ، فلا تكن بعملك أسير قيد نظر السلطة ، متى حضر عملت ، ومتى غاب بطلت ! تلك شائبة الرياء ، شائبة الأمل ، شائبة الخوف ، اطرحها عنك بعزمك ، واخلعها متجرداً إلى ربك .
ما أدنى همة من قيده النظر بعمله ، وأفلتته غيبته عن العمل؟ أي شنشنة في الهمة الرفيعة ؟ وأي نغمة لها في آذان الحادثات ، ومدارج ترقي السر في عوالم الغيب والحضور ، تترفع بنسبة ما يفاض لها من نور العقل ؟ والتوفيق بيد الله تعالى .
حار أهل الأبصار والبصائر بما وراء هذه الستائر ، والحيرة عجز حاكم على كل ذى عقل بالإيمان المحض والوقوف على جادة السلامة : (( وما قدروا الله حق قدره ))وهذا كتابه تعالى الحجة القائمة ، والمعجزة الدائمة ، وفيه جميع الحكم ، خفيها وجليها ، كليها وجزئيها ؛ عرفها العارف فرأى من آيات ربه الكبرى ، ولهذا السر الأعظم قال النبي صلى الله عليه و آله وسلم : ( إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه).
آيات بينات ، وكلمات جامعات ، وأسرار إلهيات ، وعلوم ربانيات ، طويت في منشور هذا الكتاب القويم ، والكلام القديم :(( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب )) ( 21 – الزُمَر ) هنالك جنود الله الجوالة ، بحور الله السيالة ، سحائب الله الهطالة ، سيوف الله الفعالة.
((الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5}))
خُذ أنموذج القدرة ، وحال العلم ، وشأن الحكم ، وسلطان الأمر ، من هذا الكتاب الكريم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، يثقل على من قيَّده طبعه ، وغلبه هواه ، وقهرته نفسه فأوهمته أنه فوق جنسه! إياك ونزغ الشيطان فإنه يسول لك ، ويوهمك أنك فوق غيرك! اتق الله بالآدميين ، قال ربك سبحانه لأشرفهم وأعظمهم : (( قل إنما أنا بشر مثلكم))- وضرب له خدر الفوقية بسلطان-:(( يوحى إلي )).
والوحي به خُتِم ، وبعده انقطع ، والمثلية في كلنا قائمة باقية معنا ، لا تُخْتَم ولا تنقطع ما دام الآدميون.
ها هو (( في أي صورة ما شاء ركبك )) خذ حصة الأدب ، وسهم العبرة من تركيبك ، ركبك من أجزاء نوعك الكثيرة المقطعة المركبة ، فأقامك كما أنت ، فصن أجزاءك من خبث إختيارك.
لا تعط أذنك طريق السير إلى سماع الكذب والزور وفحش الكلام ، ولا تبعث عينك إلى النظر بما لا يحل ، ولا تجعلها تستحسن الفانيات ، فتسوق طبعك إلى حسد هذا ، واستعظام هذا ، واستكثار هذا.
ولا تسير رجلك فيما لا يرضى ربك ، ولا تنطق لسانك إلا بخير ، ولا تمد يدك إلا إلى خالقك فيما يؤول الى مراضيه ، وصن بطنك وظهرك وما سترت عن كل ما يوقعك في وهدة السؤال والخزي.
واشكر الله على السراء والضراء ، واذكره في الشدة والرخاء ، وكن معه في الصحة والمرض ، في بابه في السقم والعافية ، ولا يدفعنك المرض والسقم عن الربوض ببابه سبحانه ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها ، فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء ، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء )).
فابهج بالوصف الدال على إيمانك ، وافرح بربك وبما يجيء منه ، إيمانا به ، وركونا إليه ، وارض عنه في كل أحوالك ، فإن العاقل غالب رضاه على سخطه في كل أموره ، والأحمق غالب سخطه على رضاه في كل أموره! وكذلك فالرفيق المتعتب المتسخط لا يرافق ، والرفيق الراضي الحمول لا يفارق.
والنفس يطيب لها كل حال يأخذ بها إلى الهدأة وجمع الحال ، وحضور الهمة كيف كانت ، ويصعب عليها كل حال يجرها إلى الاستفزاز بطارق التسخط ، ويوردها حوض شتات جمعها ، ويغلب حضورها.
وانتصِبْ لمعاشرة الآدميين على قدمي الصبر ، فالبدن له رأس واحد ، فلا تجمع رأيك على أن تجعل كل عضو في البدن رأساً ، وقل لمن لم يتحقق بنسبة خلقه في حكم الرأسية : كن ذنباً ولا تكن رأساً ، فإن الضربة أول ما تقع في الرأس ، وارفع هِمّة من تنزل بخموله عن حق خلقه ، كأن خُلِق يداً فوقف رِجلاً ، أو خُلِقَ رجلاً فاندلس وركاً ، ولا ترى لك الخيرية على غيرك بعلمك ، بعملك ، فإن ذلك من التجري على الموجد جلَّتْ عظمتُه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لن يُدْخِلَ أَحَداً عَمَلُهُ الْجَنَّةَ. قالوا: ولا أنت يارسول الله ؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة ، فسددوا وقاربوا ، ولا يتمنين أحدكم الموت ، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا ، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب.
والعتبى التي أشار اليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي: أن يطلب العبد رضاء ربه بالتوبة ، والرجوع إليه ، وهو أكرم الأكرمين.
ولتكن أيها الأخ الصالح: كثير الأدب مع خلق الله تعالى ، كثير الرحمة والشفقة على والديك أمك وأبيك وَصُولاً لرحمك ، متودداً لجي