يا أهلنا بالكويت كلمة أعجبتني ، يؤيدها ماورد في الأثر الشريف "اخشوشنوا فأن النعم لا تدوم . "
من يضحك كثيرا يبك كثيرا
الاثنين 27 ذي القعدة 1424 هـ ـ 19 يناير 2004 - جريدة القبس - الكويت
عبدالحميد منصور المزيدي
أرجو ألا يدور بخلد احد، علا أو دنا، اني اردت بهذه المقالة او حتى بكلمة منها ان
أسيء الى بلدي الحبيب، الكويت، واهلي الاحباء، أو الى القائمين عليه الأجلاء.
اننا اذ شبهنا الوطن بسفينة والمواطنين بركابها فمن المسلم به أنه اذا غرقت السفينة
فانها ستغرق بركابها، واي سفينة تواجه في مسيرتها اجواء مؤاتية واجواء عاتية.
اما الاجواء
المؤاتية فقد حصدنا ولا نزال نحصد الثمار الاقتصادية والاجتماعية للسنين السمان.
أما اذا كانت الاجواء عاتية وهو المشهد الذي يلوح امامنا، ونعيش مقدماته، ونصنع
مسبباته، وكأننا نعيش في حلم يقظة او في نزهة باذخة اشرفت على نهايتها، نحن ضيوفها
المتهالكين على انتزاع كل دقيقة فرح، واستنزاف كل نعمة، واقتراف كل قبيح، وكأن
هاجسا يسكننا بأن هذا الحلم الذي نعيشه او النزهة التي نتربص بها،
هي ضربة حظ او فرصة عابرة لن تعود.
لعل ذكر بعض الحقائق يعبر عن الصورة القائمة التي ذكرناها، انظر الى استهلاك المواطن للكهرباء والماء.. فهو مسرف في الاستهلاك ومنكر لدفع الثمن، اما معدلات الشراء بالدين فتسارع نموها بنسبة 14% في سنة 2002 و27% في سنة 2003 وتتنافس البنوك والمؤسسات المالية على ارتهان راتب الموظف: فالغسالة والثلاجة والتلفزيون والاثاث والسيارة والسكن والسفر.. واللهو.. كلها بالدين وبالاقساط بحيث اخذ المتاح من النقدي الذي باليد يتناقص ويعجز عن شراء ابسط الضروريات، وكأن العقل الباطن يقول: اليوم خمر وغدا أمر.
واذا نظرنا
الى انتاجية الموظف فهي لا تزيد عن ساعة في اليوم، بل ان كثيرا من الموظفين لا
يداومون ومع ذلك فإنهم يتسابقون على احراز الترقيات، فان لم توهب من قبل وزير او ذي
سلطة، فبالواسطة، وان لم يكن لهذا السبب او ذاك فبالاقدمية، يُحكى ان موظفا كان لا
يداوم وانما يأتي ليستلم راتبه آخر الشهر فقط، قد ادت اقدميته الى ان يُرقى فأصبح
مدير دائرته.. فغضب الرجل لانه اصبح لزاما عليه ان يداوم بعض الوقت اذ اصبح غيابه
التام ملحوظا! ليس من قبل رؤسائه، فإن «التعاون على الإثم» اصبح سجية متبادلة بين
الجميع، بل من قبل المراجعين! ناهيك عن
موظفين لا يداومون في وزارة او مؤسسة ما، وينتدبون من قبل وزراء الى وزارة او مؤسسة
اخرى ثم لا يداوم ايضا ويقبض راتبين.
وزيادة على الغياب والتسيب فإن جميع الاطراف تتهافت على الاكثار من عطل الأعياد والعطل الدينية والوطنية واصطناع المناسبات وضم ايام تصدف ان تكون بين العطلة ونهاية الاسبوع، بلا حرج ولا وخز من ضمير. ولنا مثال في عطلة عيد الأضحى القادم التي ستلفق على هذا الاساس لتصبح تسعة ايام اي ثلث شهر مدفوعة.
ثم انظر الى زيادات الرواتب التي يطالب بها الموظفون في جميع القطاعات العامة والخاصة، من زيادة في الرواتب قبل أوانها او استحقاقها المهني والبدلات المتعددة الأغراض، حتى أصبحت زيادة الرواتب في سباق بين القطاعين العام والخاص، بل بلغت في القطاع الخاص ارقاماً خيالية قد تتحملها الشركات في اوقات الرفاه، ولكنها ستعجز عنها في اوقات الكساد وهي قادمة عاجلاً غير آجل.
واذا جئنا للتعليم فأيام الدراسة للطلاب تناقصت وتآكلت حتى أصبحت 140 يوما في السنة المكونة من 365 يوماً، بينما الأيام الدراسية للطالب الياباني مثلا تبلغ 260 يوماً، فانظر كيف تكون عليه مستويات مخرجات التعليم، وهي اصلا متدنية وجانحة عن احتياجات سوق العمل من تجارة وصناعة ومهن وخدمات.
قال تعالى: «.. وان من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء..» إلا قلوبنا فهي قاسية على المرأة الكويتية المتزوجة وأولادها من غير الكويتي. أليست هي بنت الرجال واخت الرجال، ام هو ذر رماد في عيون نسائنا؟
وهي قاسية على «البدون» الذين قضوا زهرة حياتهم معنا وكأن من قضى معنا اربعين سنة ـ وليس اربعين يوما ـ لا يصبح من قومنا، وقلوبنا قاسية على الوافدين، فالآسيوي منهم الذي يتقاضى اربعين او ستين ديناراً ويأكل الخبزة المبلولة وينام مع الفئران، يقاسمه الكفيل الكويتي المنان الجشع والمعطل الضمير، رزقه، لا بل ان بعضهم يقتسم رواتب الف عامل أتوا الينا ليكدحوا ويعرقوا ويبنوا بلدنا الذي ندمره، وحتى في التداوي فإن الوافد يعطي، بمعرفة الدولة، أدوية ادنى نوعاً على الرغم من تقاضي الدولة منه رسوم العلاج!
ويشهد
مجتمعنا التفكك الاجتماعي على جميع الاصعدة، فالاعتداء بالضرب من الطلاب على
اساتذتهم، والمراجعين المرضى على اطبائهم، والمواطنين على الشرطة، وحتى الشرطة تسيء
استعمال السلطة فتفتري على المقيمين والمواطنين وتفرج عن بعضهم بواسطة.. وبعضهم
برشوة.. وأسوأ المستأجرين لدى ملاك العقار هم الكويتيون.
والاثرياء يشترون لأولادهم الشقق والبيوت في الخارج، بينما يدفعونهم الى التسول على
أبواب الدولة للحصول على سكن أو قسيمة وقرض، منافسين المحتاج في حقه المشروع.
ان
الاستقلال المادي للمرأة والفلتان الاجتماعي للرجل أديا الى تزايد الطلاق واصبح
النقال وسيلة لارسال الطلقات الثلاث عبر الرسائل القصيرة للنقال.
كانت الرشاوى على مستوى الكبار الذين بيدهم الحل والربط، فاستشرت واقتدى الصغار
بالكبار، فأصبحت «شعبية» حتى أصبح اصغر مسؤول يعقد الأمور ليفكها برشوة، واتخذ
معظمهم من الوظيفة «دكاناً» بضاعتهم: التسويف والمماطلة.
أما
القضاء.. فلا أحد يريد ان يبوح بشيء عنه، فإن من ناقشته من محامين لهم صولات وجولات
على صفحات الصحف، ولهم جمهور عريض، يقول لا نستطيع البوح بشيء لأن القضاء هو هيبة
البلاد وثقة المواطن والخوض فيه يزعزع الثقة والأمان في البلاد، فهل من بطل أو كبش
فداء، يعلق الجرس؟
ثم يأتي مجلس الوزراء ويشكل لجنة لتبحث مشكلة غياب الموظفين والتسيب الاداري، وكأن
الغياب هو العقبة الكأداء الوحيدة في مسيرة بناء البلاد وتربية ابنائه.
أليس بيد الدولة لوائح عقابية وردعية يمكن ان تلجأ اليها؟ ولكن يكاد المريب ان يقول خذوني. فما هو المطلوب من اللجنة.. ان تكون الحكم أم الخصم؟ وماذا عن الانحرافات والعلل التي سبق ذكرها؟ ان الخلل لا يقتصر على المواطنين بكافة كوادرهم بل هو، الخلل، نتاج ممارسات السلطتين: التنفيذية والتشريعية لمقايضة أحدهما الآخر الخدمات والمنافع لحساب المواطن «ظاهراً» مقابل تنازلات وتسويات على حساب المواطن «واقعاً».
مهما أوتي
الناصحون من صدق وحكمة في تقديم الرؤى والحلول لاصلاح اهرامنا المقلوبة فإنها على
وجاهتها ومطلوبيتها لا تعدو ان تكون مداخل ومخارج جيدة لاناء موبوء، نفقت فيه
القيم، وبما ان الاناء بما فيه ينضح، فأي هيكلة للاصلاح يجب ان يسبقها اصلاح ببيئة
الاناء ان ما تصبو اليه قيادات القدوة هو قيادة رسولية تطهر وتنقي، ما في الاناء
ومن فيه، وتزكى الأنفس، عندها يصبح الوجه من الوجه أبيض، ويصبح لعصا الاصلاح حلاوة
كحلاوة الجزرة.
ولنقتد بقول الشاعر:
«إنما الأمم الأخــلاق مــا بقــيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا»
فرحنا بالديموقراطية.. ولكن يا فرحة ما تمت، فالديموقراطية أثارت مخاوف تقلص نفوذ
من هم بداخل السلطة، وحفزت مطامع من هم خارجها من «البراغماتيين» على «فتات
السلطة»، فبرزت الحاجة الى تحالفات أدت الى ان يقدم طرف تسهيلات وامتيازات مقابل ان
يقدم الآخر توافقاً وانسجاماً وتنازلات، وتلت هذه المرحلة مرحلة أخرى، بحكم سنن
التطور، سلك فيها «البراغماتيون» سلوكاً شخصياً نفعياً أصبح «تقليداً» مستمدا من
ممارسات وسوابق.